الثلاثاء، 24 نوفمبر 2015

في معنى الهزيمة

حشود كبيرة تؤدي طقوس الوداع، المودِّعون ينتظرون من يودِّعهم كذلك

وشجرة الكينا الكبيرة وحدها باقية، يميلُ رأسها إلى جهة الشارع العام، تدير ظهرها للمقبرة وتنثر بضعة أوراق لامستها الريح.


الأنفاس مشدودة مثل أوتار العود العراقيّ، والشارع خشب مقعّر يرنُّ فيه الصدى.

حضرت الحافلة الصغيرة

لم يجرؤ السائق على إطلاق "الزمّور" عند الساعة الخامسة صباحاً كي لا يستدعي سيل الشتائم من الجيران في الحارة.

في اللحظة التي رفعتُ فيها الحقائب عن الأرض شعرتُ أنّني أقتلع شيئاً ما من كياني، شيء غير قابل للإصلاح أو التجميل.


دارتِ العجلات، كلُّ دورة لا تخلو من ارتجاج على طريق تزيّنها الانحناءات والحواجز المُسالمة اعتماداً على جودَة مكان الولادة والانتماء ومدى التوافق مع المزاج الصباحي للمفتّش الخبير باللهجات.


بدأت المدينة بالابتعاد، أعتقد أنني كنتُ في مكاني والمدينة تبتعد وليس العكس.


في لمحةٍ مباغتة لآخر مشهدٍ منها أحسست أنَّ الطريقَ تنطوي على نفسها وكأن السيّارة التي أستقلُّ عبارةٌ عن قبضة "السحّاب"، سحّابٌ يرتفع ويخبّئ كل شيء في الداخل المُعدّ للكتمان الطويل.


خروجٌ صامتٌ لا يخلو من الكآبة، حاوَلتْ أغاني الراديو تجميل المجريات، إضفاءَ صفة المغامرة بدلَ الرحيل.. عبثاً


أخيراً وعند اجتياز المعبر الحدودي المزدحم من جهة الخروج فقطـ، كُتِب على اللوحة: رافَقتكم السلامة، وبإطلالة أخيرة على الجهة المقابلة الماضية إلى البلاد بالكادِ تمكّنت من قراءة عبارة: سوريا ترحّب بالضيوف الكِرام.


لا بدّ من جرعة كبيرة من الماء البارد بعد أن انتهى بي الأمر أخيراً إلى شتاء طويل، منتظراً اللاشيء خلف نافذة كبيرة جداً، حيث ينبض القلق وينام القلب بلا غطاء.

هناك تعليقان (2):

  1. لكل أرض مررنا بها ذكريات تطبعها فينا و لك في أرضك الجديدة خصوبة الإبداع وانطلاقة لآفاق أجمل

    ردحذف